رواية محفوظة في الدرج
ظلت تشاهد الطريق من نافذة الحافلة التي تسير بسرعة، و حين أقبلوا على مشارف المدينة، وضعت يدها عليه و قالت بصوت أمٍّ حنون: "لقد وصلنا إلى المنزل يا صغيري"
جاءت كلماتها كالسهم أصابت قلبه، كان يجلس في نفس الصف الذي تجلس فيه في الحافلة، يفصله عنها مقعدين فقط نزل ركابها في المحطة السابقة، حياؤه منعه من النظر إليها، لكن وجهه تجمد من أثر الصدمة، هل هي حامل؟
بلع ريقه بصعوبة، شعر بقوة نبضات قلبه و هي تخفق بشدة، لمحها بزاوية عينه و هي تضع يدها عليه، لم يستطع أن يرى تماما أين وضعت يدها، لكنها كانت في مستوى بطنها، هي حامل إذا... لكن متى تزوجت؟ بطنها ليست بارزة كثيرا، اذا لا بد انها في الاشهر الاولى من الحمل، صار الأوكسجين الذي يتنفسه غازا ساما من هول ما سمعه، وضع نصب عينيه على الطريق خارج النافذة في الاتجاه الآخر، كاد أن يذرف الدموع قهرا من شدة الحزن، لم يستطع أن يكون فارس أحلامها كما ينبغي، لكنه رجل و الرجل لا يبكي، هكذا أخبروه
تذكر حين كان يدرس في نفس الصف معها في الثانوية، كانت مختلفة عن فتيات جيلها، كانت مميزة بنظره، بجمالها الفاتن، و هدوءها العذب، في حين أن أقرانها كن يهتممن بالموضة و الماكياج، أو لفت الأنظار، هي كانت تعشق قراءة الروايات في استراحة المدرسة، و حينما يعرف اسم الرواية التي تقرأها عندما يسترق النظر إليها بين الحين و الآخر، كان يركض إلى المكتبة ليشتري من نفس روايتها، و يعود الى المنزل و يتخيل نفسه يقرأ الرواية معها
تذكر كلمات صديقه حين أخبره أنهن لا يصلحن للحب، هجم عليه بأبشع الكلمات و هو يدافع عن جنس بنات حواء، و في أعماقه كان يدافع عنها فقط، ليت كان لديه من الشجاعة ما يكفي ليبوح لها عن مشاعره، لكن شيطان الجُبن و وساوسه من رفضها منعاه من أن يقدم على الخطوة الأولى، فظلّ حبه حبيس صندوق اسمه ذكريات
مرت سنوات و مضى كل منهما في طريقه، و لأن الزمن لا يرحم أحدا، الآن شاء القدر حين رآها للمرة الأولى بعد غياب، وجدها قد تزوجت، من الشخص الذي ارتضاه الله أن يكون زوجا لها، و تحمل طفله في أحشاءها، و يتوج حبها بطفل يحمل صفات تكون مزيجا من الاثنين، أمير صغير لعش حبهما الكبير، و ما أجمله من عش لو كان المولود بنتا، تحمل ملامح أبيها و جمال أمها و تصنع حياتهما سكرا ورديا
هذه فرصته الأخيرة حتى يتكلم معها، ربما سيتلعثم في كلامه، و ربما لن تتذكره حتى، و لكن يكفي هذا الحد، لقد بقي جبانا طيلة حياته ، استجمع شجاعته و لملم أفكاره، رتب كلماته، و توقفت الحافلة عن الحركة، شاهدها و هي تنزل من الحافلة، لحق بها حتى وصل إليها، و ما ان التقت عيناه بعينيها حتى تهدم جبل الشجاعة الذي كان يبنيه طول الطريق في الحافلة و بدا كلامه متلعثما و غير مفهوم، تماما كما كان يخشى:
-مرح.. اقصد.. كيف حالك.. قد لا تتذكريني.. ولكن سمعت بالخبر السعيد.. فأردت.. يعني كما تجب العادة أن أهنئك
برزت ملامح الحيرة و الاستفهام على وجهها أربكت جيوش شجاعته، و ظهر بدلا منها شبح الخوف، قالت بصوتها العفوي:
-عذرا... أي خبر سعيد سمعته عني
-لم أكن.. أقصد.. لم استرق السمع.. و لكن سمعتك تقولين لقد وصلنا الى المنزل يا صغيري و انتي تضعين يدك على بطنك..
علت ملامح التعجب في وجهها و هي تقول:
-لحظة!!.. ماذا!!.. هل تظن أنني حامل؟؟
-هو كذلك إذا.. مبارك لك..
-لا!!... لست حاملا أنا... لست متزوجة اصلا!!
-ماذا؟
ماهذا الموقف المحرج الذي وضع نفسه فيه.. انتبه إلى أنها لا ترتدي خاتم زواج في اصبعها ..لكن ان كانت ليست متزوجة، و ليست حاملا ايضا، فلماذا قالت يا صغيري؟ و لمن أشارت بيدها، زاد تلعثمه و هو يقول:
-لكنك.. قلتِ.. بطنك
-توقف أرجوك.. لم أكن أشير إلى بطني.. بل إلى الكتاب الذي أحمله بيدي..
رفعت بيدها كتاب خطَّ عنوانه رواية منارات الحب و تحته كتب اسم كاتبها المفضل يبدو أنها لا تزال تحب قراءة الروايات تماما كما عهدها منذ سنين مضت
-يبدو أنك أسأت الفهم.. أحب أن أعتبر كتبي مثل صغاري.. أعرف أنه أمر غريب و لكن..
-هكذا إذا.. اطمئن قلبي..
-ماذا؟؟
-لا شيء..
-أنت نديم صحيح.. درسنا معا في الثانوية..
لقد تذكرت اسمه، صدمته و فرحته في منافسة شرسة أيهما يعتلي وجهه أولا، لكن الغلبة كانت لصدمته، بينما اكتفى قلبه بالفرح المنهزم، قال بحماس:
-نعم... صح.. أقصد... صحيح درسنا معا في نفس الصف.. تعجبت أنكي مازلتي تتذكرين
-بالطبع أتذكر و كيف انسى..
-ماذا؟
-أقصد علي أن أذهب الآن.. إلى اللقاء
ماهذا الموقف الذي تعرضت له قبل قليل، هل كان يعتقد أنها متزوجة؟ و الأسوء أنها حاملا أيضا؟ في السابق كانت تنزعج حين يسألونها إذا تقدم شاب لخطبتها، فتشعر بالضيق عندما تجيبهم ب"لا"، و لكن هذه المرة أحست بارتياح و هي تقولها بل و تدافع عنها ايضا، لاحظت أنه تغير كثيرا من أيام الثانوية فقد بدا لها جميل المحيا
تذكرت حين كانت تشاهده على استحياء، و هو يلعب مع رفاقه كرة القدم ببراعة شديدة، كان جميع الأساتذة يثنون عليه و يأملون أن يصبح لاعبا كبيرا في المستقبل، أو حين تقفز من السعادة حين يسجل هدفا في مرمى خصمه، وهو يركض داخل الملعب و خلفه اللاعبين يصرخ من فرط سعادته، ابتسمت بخجل جميل حين تذكرت عندما كانت تعتقد أنه أوسم شاب في صفها، لا يزال وسيما كما عهدته إلا أنه ازداد طولا و بنيته أصبحت تبدو اقوى مما مضى
تذكرت حين كانت تقرأ رواياتها في استراحة المدرسة، فتتخيل أنها تعيش دور البطلة، و كانت تضعه في مخيلتها بدور البطل، و قصة الرواية هي حبهما الخالد في حبر الكتب
-رزااان!!
هزّتها صرخة مدوية هتفت باسمها، استدارت فزعة نحو الصوت الذي يناديها، إنه نديم، ماذا قد يريد منها الآن و لماذا صرخ بصوتها في الشارع هكذا؟ رسمت ملامح الصدمة على قسمات وجهها، كانت تراه و هو قادم باتجاهها ركضا
-رزان انتظري.. لحظة
-نديم؟؟.. ماذا هناك؟ لماذا تصرخ باسمي هكذا
هتف لاهثة أنفاسه
-أريد أن أسألك سؤالا
-تفضل.. ما.. مالذي قد تريد أن تسأله مني؟
-ما رأيك بالزواج؟؟
"الزواج".. توقف الزمن عن الدوران تجمدت في مكانها للحظة واحدة، يرائى إليها قلبها يصرخ في وجهها و هو يمسك بكمي قميصها و يهتف فرحا :"إنه يطلب يدك للزواج"، شعرت بتشنج في أقدامها، لكن لا، لحظة، هتف عقلها الذي يرتدي نظارة و يتشبه بالأذكياء معارضا على كلام قلبها، هتف قائلا: "فكري مجددا فيما قاله هو لم يطلب منك الزواج" كررت سؤاله في عقلها مرة أخرى، هو لم يطلب يدها للزواج، بل أراد رأيها عن مسألة الزواج، هكذا إذا، تمتمت في داخلها، أخذت نفسا عميقا، ثم أجابت بعد أن ران عليها صمت قصير
-و..!!.. بماذا يفيد رأيي في شيء؟
-عذرا!!.. لم أقصد أن يكون الأمر هكذا
جثا على ركبة واحدة أمامها، شعرت كأن قلبها سيخرج من مكانه من قوة ضرباته، قدم لها يده باتجاهها، بلعت ريقها بصعوبة، ثم أردف
-هل تقبلين الزواج بي يا رزان؟
تعليقات
إرسال تعليق